محمد أبو زهرة

1528

زهرة التفاسير

لقد كان اليهود يحرضون المؤمنين على الشح وعدم الإنفاق في سبيل اللّه تعالى بطرق شتى ، وكانوا يحاولون أن ينالوا من إيمان أهل الإيمان ، فلما نزل قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . . . ( 11 ) [ الحديد ] أخذوا يتهكمون على القرآن ، وعلى دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ويصفون اللّه سبحانه بما لا يليق ، وذلك ليوهنوا قلوب المؤمنين ، ويشككوهم في دينهم ، أو ليبعثوا فيهم روح الشح . ويروى في ذلك عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . . . ( 11 ) جاءت اليهود إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ربك فقير يسأل عباده القرض « 1 » ، ويظهر أن ذلك قد تكرر منهم ، وتجرءوا به على ذات اللّه سبحانه ، أو اتجهوا إلى تكذيب ما في القرآن بالتهجم على ما اشتمل عليه في هذا المقام ، ولقد بين سبحانه أنه عليم بقولهم علم من يسمع القول ، ولذلك قال سبحانه : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا . . . وفي هذا التعبير بيان أن اللّه تعالى مطّلع عليهم ، ومراقب لهم مراقبة من يستمع إليهم ، وفي ذلك من التهديد ما فيه ، إذ إنه إشعار بأن ذا الجلال القوى القهار القادر على كل شئ والذي يملك الوجود ومن فيه وما فيه ، مستمع لما يقال في شأنه ، وما يتجرءون به عليه ، كما يقول القائل لمن يجده يتجرأ على عظيم : إنه يسمع قولك ويعلم به ، فارتقب عواقب ما تفعل ، واستشعر الهيبة والمخافة والخشية : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) [ النحل ] وقد عقب سبحانه ذلك بنتائج تلك المراقبة ، وصرح بالتهديد الشديد في قوله تعالى : سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ . في هذا الكلام تهديد شديد لهم ، وذلك لأن المعنى : سنثبت عليهم في سجل اللّه تعالى قولهم هذا وتجرّئهم عليه سبحانه ، وليس المراد مجرد الكتابة ، بل المراد نتيجتها وهو الحساب عليها ، والجزاء من العذاب الأليم ، والتعبير بالكتابة كناية عن العلم المستتر الثابت الذي تترتب عليه نتائجه وثمراته ، ولما تضمنته الكتابة

--> ( 1 ) رواه ابن أبي حاتم ، وابن المنذر عن ابن عباس بسند حسن ، وذكره الواحدي في أسباب النزول .